محمد جمال الدين القاسمي

358

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب . وعن عمر رضي اللّه عنه : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى خرج عنه . تنبيه : ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعيّ الذي وردت به الآيات ، وأوضحته الأحاديث والآثار . ففي الصحيحين « 1 » ، واللفظ لمسلم ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا . و قال يوم فتح مكة « 2 » : إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته ، إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها . فقال العباس : يا رسول اللّه إلّا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : إلّا الإذخر . ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه ؛ ولهما « 3 » ، واللفظ لمسلم أيضا ، عن أبي شريح العدويّ أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة ، ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي ، حين تكلم به ، إنه حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها اللّه ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها فقولوا له : إن اللّه أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب . فقيل لأبي شريح : ما قال لك ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح . إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارّا بدم ، ولا فارّا بخربة . قال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما ، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها ، وهو الذي يباح في غيرها ، ويحرم فيها ، لكونها حرما ، كما أن تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها ، هو أمر مختص بها ، وهو مباح في غيرها ، إذ الجميع في كلام واحد ، ونظام واحد ، وإلا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 27 - باب وجود النفير ، حديث 710 . ومسلم في : الحج ، حديث 445 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : جزاء الصيد ، 10 - باب لا يحل القتال بمكة ، حديث 710 . ومسلم في : الحج ، حديث 445 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 37 - باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ، حديث 89 . ومسلم في : الحج ، حديث 446 .